بين التلحين والتوزيع ..(1)

بقلم احمد الغانم

كثيراً ما نجد على أغلفة أشرطة الكاسيت توضيحات لبعض مؤلفي الأغاني ، كتب عليها : الحان : شخص ما و توزيع : شخص آخر ، ويظل البعض يتساءل ما هو التوزيع وما هو التلحين ؟..ومن هو الموزع  ؟ وما هي الأمور المفترض توافرها في هذا الموزع كي يمكننا أن نطلق عليه تلك الكلمة ومن ثم يمكنه الدخول في عالم التوزيع ، وكذلك الحال بالنسبة للملحن .. سنسعى من خلال هذا المقال  توضيح بعض الأمور في هذا السياق .

إن عملية التلحين هي عملية إعطاء كلمات معينة -سواء شعر أو غيره –لحن.. ، هذا اللحن قد يختلف بين شخص وآخر ، بمعنى لو أعطي بيت شعر معين إلى أكثر من ملحن فإننا سوف نجد نتيجة التلحين مختلفة بين ملحن وآخر والشواهد في ذلك كثيرة ، فعلى المستوى المحلي قام الفنان خليفة زيمان بتلحين كلمات الشاعر علي عبدالله خليفة لقصيدة  مطلعها ( يكبر علينا العشق  ) من ديوان  عصافير المسا وغناها كل من فوزي الشاعر وسلوى زيمان في ثنائي جميل  ، كذلك فعل الفنان أحمد الجميري في آخر إصدار له من الأشرطة ، ولو استمعت لكلاهما ستجد المعنى المقصود بوضوح أكثر .

ومقياس الجودة بين أي لحن وآخر يقع بالدرجة الأولى على قدرة الملحن على إدراك المعنى المقصود من الكلمات حيث من خلاله يسعى لإبراز هذه الكلمات في شكل أوضح للمتلقي ، وما يترتب على ذلك من القدرة على ابتكار الحان جميلة ومناسبة لهذا الغرض ،فمثلاً لو كانت كلمات قصيدة ما حزينة ، فمن الطبيعي أن يسعى الملحن أن يبرز روح الحزن في لحنه أيضاً ، إلا إن كان له غرض آخر ( مقصود) .

وليست عملية التلحين هذه على درجة من البساطة ، فمن المعروف إن كل قصيدة أو مجموعة من الأبيات الشعرية تخضع لموازين العروض الشعري ، لابد للملحن أن يكون مدركاً لهذه الموازين ، أما بدراسة العروض بشكل أكاديمي كي يتسنى له معرفة البحر الذي تنتمي له أي قصيدة هو بصدد تلحينها ، أو قدرة ذاتية (فطرية) ، تبعاً لحدسه الموسيقي تمكنه من الإحساس بالتقاطيع في أوضاعها المناسبة ، وإن لم يتحقق هذا الشرط فإن نتاج التلحين سوف يكون متعارضاً مع وزن الأبيات الشعرية ، ونجد كثير من هذه النتاجات في عالم أشرطة الكاسيت المتداولة ..؟!

 

أما عملية التوزيع فهي عملية تلوين للألحان السابقة الذكر وهي تلي عملية التلحين بالطبع ، فالذي يحدث أنه بدلاً من أن نسمع اللحن بصوت آلة واحدة فقط فإننا سوف نسمعه بصوت مجموعة من الآلات الموسيقية ذات الألوان الصوتية المختلفة .وهذه العملية تحتاج لشخص يمتلك بالدرجة الأولى معرفة شاملة ودقيقة بعلوم الآلات الموسيقية سواء ، بمساحاتها الصوتية ومدى ملاءمتها مع بعضها البعض ، وقدرتها في أداء الألحان المناسبة لها ، وذلك لن يأتي إلا بالدراسة ( ليس المقصود في المعاهد أو الكليات ) ،و الإطلاع وما يتبعه من عملية استماع غزير ومكثف ، لمعرفة التراث الذي تركه لنا الأسبقون .

إن عملية الاستماع والدراسة هاتين يستطيع أن يقوم بها كل مهتم بهذا الموضوع ولكن يلزمه المعرفة والإلمام بقراءة النوتة الموسيقية .فالمهتمون من الموسيقيون بهذا الموضوع تجدهم منغمسين بقراءة المدونات لكبار المؤلفين الموسيقيين ، وقراءة المدونات هذه هي مادة أساسية لدارسي التأليف الموسيقي حيث يقوم الدارس أثناءها بالإطلاع على النوتة الموسيقية ومتابعتها أثناء استماعه للموسيقى المكتوبة لنفس هذا العمل المسموع، حيث تمكنه هذه العملية من معرفة أسرار الألوان الصوتية ، ودمجها معاً ، التي قام بإبداعها كبار المؤلفين ، هذا الأسلوب يستفيد منه المؤلفين و الموزعين  بعد ذلك في عملية التوزيع الموسيقي للألحان التي يقومون بها .

 

 

 

الجمعة 18/06/99 

 

 

.

  • Facebook Basic Black
  • Black Instagram Icon
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© ahmedalghanem2016