بين التلحين والتوزيع ..(2)

بقلم : أحمد الغانم

الشيء الطبيعي جداً أن يقوم الموزع بتوزيع ألحانه ، فهذا الشيء خاصته يستطيع أن يعبر عنه كيفما شاء ، وأيضا من الطبيعي أن يقوم مؤلف موسيقي بتوزيع عمل موسيقي أو غنائي لملحن أو مؤلف آخر ، ولكن لكي تتم هذه العملية بشكلها الصحيح ، لابد أن يتحقق بها خصوصية الملحن ، وهذه تعني عدم تدخل الموزع في إضافة أي تآلف (مجموعة من النغمات تسمع في وقت واحد ) أو الأحان مصاحبة او حتى نغمة واحد ة ..!

وهناك شواهد على ذلك في عالم الموسيقى الكلاسيكية منها عندما قام رافيل بتوزيع موسيقى موزروسكي ( صور من المعرض ) ، فهذا العمل كتبه موزورسكي في الأساس لآلة البيانو ، ثم اخذ رافيل على عاتقه توزيع هذا العمل للأوركسترا ، ولم يكن ذلك رغبة من موزرسكي أو لنقص في العمل فهذا العمل في وضعه الأولي على درجة من الروعة ، ولكن ذلك كان نتيجة ( رؤية) ل(رافيل ).

أما الوضع  الآخر – وهو السائد لدينا  في سوق الأغنية - ، والذي يعتبر تجاوز لعملية التوزيع ، واختراق لخصوصية الملحن  (برغبة منه غالباً – نظراً لعدم القدرة ) ، هو أن يقوم الملحن بوضع ألحانا( مفردة )، ذلك لكونه يستخدم آلة مثل العود أو الجيتار أو الأورغ  بشكل بسيط  في عملية التلحين ، والمقصود بالحان مفردة أي خالية من التآلفات أو الهارمونيات و الألحان المصاحبة ، ولا يخفى على أحد إن لهذه الأمور الدور الأكبر في إعطاء الجو العام للحن ، وهذا الجو من المفترض أن يضعه الملحن تبعاً لتفسيره للكلمات وقت تلحنها ، ثم بعد ذلك يستلم الموزع تلك الألحان المفردة ليضيف عليها ما شاء من تآلفات والحان ونغمات لإظهار العمل بالشكل المطلوب حسبما هو يراه ، وليس كما يراه الملحن . وإن حدث ذلك فعلاً فسوف يظهر العمل بعيداً عن الجو الذي أراده الملحن .

إذن لكي تتم عملية التوزيع بشكلها الصحيح ، يجب أن يكون الملحن ملم بعلم الهارموني ( وضع النغمات معاً بشكل متآلف ) وعلم الكونتربيط ( وضع الألحان المصاحبة) ، ولو بشكل بسيط  ، وهذا الوضع من الصعب تحقيقه أو التمكن منه بسهولة من قِبل الملحن ، فهو يحتاج منه الوقت والجهد والمال ، فالأسهل منه اللجوء لتلك الطريقة وإعطاء المهمة للآخرين ، ولهذا السبب نجد إن غالبية الأعمال السائدة تأتى بهذا الأسلوب ، وبالرغم من هذا نجد هناك بعض الأعمال التي اتبعت تلك الطريقة  و جاءت بمستوى جيد ، وحسب اعتقادي كان هناك للموزع والملحن جلسات عمل ،كي يستطيع الموزع فهم الجو الذي يريده الملحن  لتحقيق هذا المستوى ، ولكن حتى هذا الوضع يكلف الكثير .

ولقد حققت الأجهزة الإلكترونية الحديثة انتشارا واسعاً في مجال الموسيقى ، مما سمح للكثيرين بالاستعاضة عن الآلات الطبيعية بالأصوات المستقاة من تلك الأجهزة ، فهي أقل كلفة في الوقت والمال ، ويمكنها أن تؤدي الغرض إلى حد ما ، كما إن البعض لا يهتم بالجودة دائماً ، فهي بالنسبة له ليست في المرتبة الأولى من الأهمية ..؟

على إن الأمر الأسوأ من ذلك ، الذي جاء نتيجة توافر تلك الأجهزة وتنوعها و رخص ثمنها أحياناً دفع بالكثيرين من الهواة بالانخراط في عالم التلحين والتوزيع ( حسب  اعتقادهم ) ، فكلا الأمرين لديهم قائم على التجربة بشكل أساسي( وبخاصة بالنسبة للتوزيع )  دون الرجوع إلى أساسيات التلحين أو التوزيع ، فترى أحياناً أن يقوم أحدهم بإعطاء مقاطع منفردة لآلة ما ليس من الطبيعي لها أن تؤديه لو كانت آلة طبيعية وغالباً سوف تكون النتيجة ليست بالمستوى المرغوب ولكنه (الهاوي) استطاع أن يعزفه هكذا واحبه بهذا اللون الصوتي  ، وعلى الرغم من هذا فقد استطاع بعض الهواة من إعطاء نتائج طيبة رغم اعتمادهم هذا الأسلوب ، ويرجع ذلك إلى الموهبة التي يملكونها ، ولكن الغالبية العظمى أتت بنتائج غير مرضية تماماً .

ولا يعني ذلك إن كل الموزعين و الملحنين والمؤلفين الدارسين للموسيقى هم وحدهم القادرون على خلق موسيقى ذات جودة عالية ، لا فهناك من الموسيقيين الذين يملكون الشهادات في هذا المجال ولكنهم للأسف يفتقرون لروح الخلق والابتكار( والموهبة الموسيقية) ، لذا ترى أعمالهم جامدة ليست ذات معنى ، تعتمد على القواعد والقوانين الموسيقية و أحياناً على العشوائية تحت مسمى الحداثة والمعاصرة   ، لدرجة إنها(أي أعمالهم الموسيقية ) أحياناً قد لا ترقى لأعمال البعض من الهواة ، ولنا في ذلك حديث قادم .

 

 

 

الجمعة18/06/99        

  • Facebook Basic Black
  • Black Instagram Icon
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© ahmedalghanem2016